الرئيسية / آراء / قيــــــــادات غيبتــهــــــا ثـــــورة العشرين

قيــــــــادات غيبتــهــــــا ثـــــورة العشرين

محمد عباس اللامي..

تمر علينا الذكرى المئوية لثورة العشرين الخالدة التي اندلعت في العراق في 1920م ضد الاحتلال البريطاني، قيادة ثورة العشرين ، تكونت من مجموعة من شيوخ الدين، وقادة العشائر، وبعض كبار ملاك الأراضي الزراعية، ومجموعة من الثوار المنحدرين من صفوف الشرائح المتوسطة والميسورة؛ ومن صغار الميسورين، والمثقفين والمهتمين بالشؤون الوطنية والقومية والفكر التقدمي، الغالبية العظمى من هؤلاء كانت لا تنتمي إلى أحزاب سياسية، باستثناء قلة منهم كانت في قيادة أحزاب ذلك العهد ، أو من المؤيدين لأهدافها الوطنية والقومية والاجتماعية العامة. تميزت قيادة ثورة العشرين بالجرأة والرغبة في تحقيق أهدافها، رغم غياب وحدة القيادة، والانسجام الفكري، أو التنسيق المطلوب وهذا ما أدى الى سهولة تغييب القيادات المهمة لثورة العشرين والتركيز على الفرات الاوسط فقط والذي كان لرجالاته دورا بارزا وهاما في اندلاع الثورة والتنسيق مع رؤوساء وزعماء القبائل الأخرى .
يؤكد ابن الزعيم بدر الرميض الشيخ صباح أن قوات الاحتلال البريطاني قررت آنذاك الهجوم على لواء العمارة حيث خاضت العشائر هناك معركة أستطاعت أن تدحر القوات المحتلة الى القرنة ثلاث مرات وافشال تقدمهم وارغامهم على اعادة النظر بخططهم ونوع اسلحتلهم مما اضطرهم الى استخدام الطائرات والبارجات الحربية التي كان لها أكبر الأثر في احتلال لواء العمارة وتعيين ضابط سياسي في تلك المنطقة مما على تقدم الجيش البريطاني بالتزامن مع المعارك المشتعلة في لواء المنتفج و المثنى ( السماوة ) التي قادتها عشائر بني حجيم ، حصار الكوت من قبل القوات البريطانية يعد من المعارك الكبرى التي أصبحت امتدادا للمشاهد الدامية للحرب العالمية الأولى . اذ وصف المؤرخ البريطاني (يان موريس) فقدان الكوت بأنه “الاستسلام الأكثر شناعة وإذلالا في تاريخ بريطانيا العسكري ” .
حيث أرسل الضابط السياسي المعين من قبل بريطانيا الى زعيم قبائل بني لام الشيخ (غضبان لبنيه) يحثه على التفاوض بعد أن أذاقهم مرارة الهزيمة في معارك متعددة مما استدعى أن يقدم الضابط البريطاني عرضاً مالياً كبيراً مقدما من المملكة البريطانية المتحدة بشرط السماح لقواته بوصول التعزيزات القتالية الى القوات المحاصرة في الكوت وعدم التعرض للقوات النهرية والبرية ، لم يكتفي الشيخ غضبان لبنيه والعشائر المتحالفة معه بالرفض بل قاد معركة كبيرة كبدت القوات البريطانية خسائر ضخمة، ولكن البون الشاسع بين القوتين المحتلة المهاجمة والوطنية الدافعة ادى اقتحام الكوت مما جعل الطريق الى بغداد مفتوحا أمامهم، ومن المناقب التي تتناقلها الأجيال مشورة قدمها المقربون للزعيم غضبان لبنيه مفادها الرحيل الى مدينة الاهواز والمكوث بها لفترة الى حين استقرار الوضع السياسي بالعراق ، فقال ان رأيكم محترم، لكن لي صديق سأنظم له مجموعة من الأبيات الشعرية لغرض الاستشارة فقال :
عيب اسكن ابديرة هظم وتراك
وحرمت نومتي وي ام طوگ وتراك
اريـــد ارافـــج الــعجــمـــان وتــراك
شجاع ولا تمر عيله عليه
فرد الشيخ بدر الرميض على أبياته بقوله :
يعز من سرسح ابطبعة ولتراك
وحرب الدار مــــا مله ولــــتراك
ذبحت من الكفر مية ولـــــتراك
تعال وشوف حدي اشكبر فيه

لذا قرر الشيخ غضبان بالبقاء وعدم الرحيل واصراره على المطالبة بتحرير العراق مما أضطر القوات البريطانية الى نفيه الى جزيرة هينجام و إبعاده من العراق، نكاية به، فتدخل الشيخ خزعل أمير الأهواز محاولا اقناع القوات البريطانية ، بأن يكون منفى الشيخ بمدينة المحمرة مراعاة للامن العام بجنوب العراق خشيى من اندلاع الثورة في حال نفيه ، وفي أواخر عام 1338هـ ـ أيلول 1920م بلغ الحكومة البريطانية أن هناك مؤامرة تحاك بين الشيخ غضبان وولده عبد الكريم، للقيام بثورة ضدهم . فعزمت على إبعاد الشيخ غضبان إلى جزيرة هنجام فأراد الشيخ خزعل أن يتدارك الأمر فطلب من نائب الحاكم الملكي العام بالبصرة، أن يرسل الشيخ غضبان إلى الكويت ريثما يتم له الاتصال بالجهات العليا البريطانية في شأنه، فوافق نائب الحاكم على طلبه ، وفي خمسة ذي الحجة 1338هـ ـ 19 آب 1920م أقلت الباخرة ( مشرف ) الشيخ غضبان إلى الكويت فأبرق الحاكم الملكي العام في بغداد برقية إلى المعتمد السياسي البريطاني في الكويت، ليخبر الشيخ سالم الصباح أمير الكويت بقدوم الشيخ غضبان ، فكتب المعتمد المذكور كتابا إلى الشيخ سالم، تحت رقم 82 بتاريخ 6 ذي الحجة 20 آب يعلمه بذلك، فأجابه الشيخ سالم بالكتاب الآتي ” من سالم مبارك الصباح حاكم الكويت إلى حضرة حميد الشيم الأجل الأفخم المحب العزيز ميجر جي . سي . مور بولتكل أجنت الدولة البهية القيصرية الإنكليزية بالكويت دام محروساً بعد السلام والسؤال عن خاطركم دمتم بخير وسرور ، بعده يد الوداد أخذت كتابكم المؤرخ في 6 ذي الحجة 1338هـ نمرة 82 وفهمت مضمون التلغراف الوارد لجنابكم من سعادة الحاكم العام في بغداد المنبيء عن مجيء شيخ غضبان للكويت في مركب مشرف . هذا مالزم ودمتم محروسين. وصل الشيخ غضبان الى الكويت في سبعة ذي الحجة 1338 صباح 9 ذي الحجة 1338هـ ـ 23 آب 1920م ومكث فيها ينتظر ما يقرره الحاكم الملكي العام البريطاني في بغداد .
وكان الشيخ خزعل قد أبرق برقية إلى الحاكم العام في بغداد، يطلب منه ابقاء الشيخ غضبان في الكويت ولكن الحاكم لم يجب طلبه . ثم ابرق الحاكم الملكي العام برقية إلى المعتمد السياسي البريطاني في الكويت يعلمه بضرورة تسفير الشيخ غضبان عن الكويت، ويطلب أيضا التشديد في مراقبته أثناء مدة مكوثه فيها، لحين ورود الباخرة التي ستقله إلى منفاه .

فكتب المعتمد كتابا إلى الشيخ سالم يتضمن هذا المعنى، تحت رقم 717 وتاريخ 9 محرم 1339هـ ـ 22 أيلول 1920م فأجابه الشيخ سالم مطيعا لما أمر بكتاب هذا نصه :
” من سالم مبارك الصباح حاكم الكويت إلى حضرة حميد الشيم الأجل الأفخم المحب العزيز ميجر جي . سي . مور بولتكل أجنت الدولة البهية القيصرية الإنكليزية بالكويت دام محروسا بعد السلام والسؤال عن خاطركم دمتم بخير وسرور يد الوداد أخذت كتابكم المؤرخ 9 محرم 1339هـ نمرة 717 وبه ذكرتم أنه ورد لجنابكم تلغراف من الحاكم الملكي العام يذكر بأنه على الشيخ غضبان أن يسافر إلى الهند في أول مركب وإنكم الآن تعملون التدبير لأجل سفره وأن الحاكم الملكي يطلب المسؤولية منا عن خروجه من الكويت من دون رخصة ويشير علينا أن نضع المراقبة عليه خفيةً ـ فجوابا سعادتكم أنه من حين وصول المذكور إلى الكويت واضعين عليه المراقبة بصورة خفية كما أشرتم لنا سابقاً بناءً عليه الآن إذ تلقون مسؤوليةً علينا يلزم نعامله غير هذه المعاملة فأرجوكم الإفادة هذا مالزم ودمتم محروسين . في 10 محرم 1339هـ ثم أبعد الشيخ غضبان من الكويت منفياً إلى جزيرة هينجام، ومكث في منفاه إلى أن قام الحكم الوطني في العراق . عندئذ طلب الشيخ خزعل من الشيخ صالح باش أعيان ( الذي كان متصرفا للواء العمارة ) أن يحرض قبائل العمارة على تقديم عريضة بواسطته ( أي بواسطة الشيخ صالح ) ، إلى الحكومة الوطنية القائمة حديثاً، يطلبون فيها السماح إلى الشيخ غضبان بالعودة إلى وطنه . فكتبت تلك العريضة، وقدمت إلى رئيس الوزراء السيد عبد الرحمن النقيب، بواسطة الشيخ صالح . فكتب السيد عبد الرحمن إلى السير برسي كوكس، كتابا يطلب فيه إعادة الشيخ غضبان من منفاه .
فأجيب طلبه وسمح للشيخ غضبان بالعودة إلى العراق وكانت تربط الشيخ غضبان علاقة صداقة سابقة بالنقيب ، ثم إنتخب عضوا في المجلس التأسيسي العراقي الأول

ان هذا الصفحة التاريخية التي أجتزأت منها النزر القليل استقيتها من المصادر المختلفة من حياة شيخ عشائر بني لام غضبان لبنيه ومما يوسف له أن التأريخ لم ينصفه أبداً حتى على مستوى الانتاج الدرامي والسينمائي، اذ انتج العراق فليما عام 1983 أثناء الحرب العراقية الإيرانية يؤرخ لثورة العشرين وأحداثها وكيف تصدى العراقيون للاحتلال الإنكليزي في تلك الفترة، تم تصويره في العراق في استديوهات السينما في بغداد في حي المنصور ببغداد وفي أهوار دجلة والفرات وبابل والكوت ، الا أن المخرج العراقي محمد شكري جميل والذي ساهم بكتابته مع مجموعة من الكتاب ايضا لم يوفقوا بتسليط الضوء والانصاف في رسم الشخصيات التاريخية التي أشعلت ثورة العشرين بل تحكمت الاسقاطات السياسية في سيناريو الفليم ومحركات اخراجه التي دفعت لفشل الفيلم الذي لم يكن أمينا وموضوعيا بتسليط الضوء على القيادات الحقيقية التي أوقدت شعلة ثورة العشرين ومنهم الشيخ غضبان لبينه.
ونحن نستذكر بعظيم الفخر ثورة الأجداد التحررية نشير الى أن الفرصة ما زالت قائمة لاعادة الاعتبار للقادة الرموز ، فبعد مرور مائة عام على الثورة ما زال العراقيون يتداولون أحداثها ومعالمها، ومن منطلق الوفاء للقادة التاريخيين ندعوا لانتاج الافلام الوثائقية و المسلسلات الدرامية الهادفة التي تحرص على توثيق الاحداث التاريخية المهمة بدلاً من الاعمال الفنية التي وصفت بالضعيفة والمسيئة مؤخراً.

شاهد أيضاً

السيد مصطفى الكاظمي .. رسالتك إلى العراقيين بائسة ولن تنفعك دموع التماسيح

بقلم أياد السماوي السيد رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي .. رسالتك المتلفزة إلى الشعب العراقي بأنّك …