“صِرار” موسى بن جعفر (عليه السلام)

عباس قاسم المرياني |
الصرار: جمع صرة، والصرة هي قطعة من القماش او كيس يُشد من عنقه يوضع فيها دراهم او دنانير. هذا ما ذكره الفراهيدي في كتابه العين والجواهري في الصحاح. كانت تستخدم هذه الصرة في العصور القديمة او الإسلامية، وكانت ما تحويه عادةً ما ترسل كأمانات لشخص ما، او توزع على الفقراء والمساكين او المقربين وتحتوي على الدراهم او الدنانير حسب الشخص المرسل.
واكثر من اشتهر بتوزيع هذه الصرار هو الامام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) وأصبح يضرب المثل بصرار موسى بن جعفر (عليه السلام) لكثرة ما كان يوزعه على الفقراء والمساكين، او المقربين، او لكسب ود المبغضين له، ويذكر ان صرار موسى بن جعفر (عليه السلام) كانت لا تقل عن ثلاثمائة دينار.
ومما يُنقل عن كرم الامام الكاظم (عليه السلام) وسخائهِ وعفوه انه كان يُحسن لمن يسيء اليه، فكان عندما يبلغوه عن رجلٌ ما قد اساء اليه او تعرض له في الطريق، يبعث اليه (عليه السلام) بصرة فيها دنانير لا تقل عن ثلاثمائة دينار.
وكذلك يُنقل عن الامام (عليه السلام): أن رجلاً بالمدينة كان يؤذيه إذا رآه ويسبه ويشتم امير المؤمنين علي (عليه السلام) دائماً دون سبب، فطلب أصحاب الإمام ان يسمح لهم بقتله، الا ان الامام نهاهم عن ذلك أشد النهي وزجرهم، وذات يوم سأل الامام عن الرجل فذكروا له أنه يزرع ببستان له في المدينة، فذهب إليه في بستانه ودخل عليه المزرعة وجلس معه وضاحكه، ثم سأله: کم دفعت في زرعك هذا الذي تزرعه؟ قال له: مائة دينار. قال الإمام: وكم ترجو ان تربح؟ قال: أنا لا أعلم الغيب. قال الإمام: إنما قلت لك كم ترجو أن يجيئك منه؟ قال: أرجو أن يجيئني مائتا دینار. فقام الامام بأعطاه صرة فيها ثلاثمائة دينار وقال: وهذا زرعك على حاله.
تعجب الرجل من ذلك وقام يقبل رأس الامام الكاظم (عليه السلام)، وطلب منه أن يصفح عنه بسبب سبه له وايذاءه اياه. فتبسم إليه الامام (عليه السلام) وانصرف.
وذات يوم عندما كان الإمام الكاظم(عليه السلام) ذاهباً إلى المسجد وجد الرجل جالساً، فنظر إلى الإمام وقال: الله أعلم حيث يجعل رسالته، فتعجب الجلوس من تغير حاله بعد ما كان يسبه ويؤذيه.
هذا انما يدلل على رحابة صدر الامام وسعة افقه وانفتاح نفسه على الجميع، ونادراً ما نجد الحلم وكرم الاخلاق في آنً واحد، لكن الامام الكاظم (عليه السلام) كان دائماً هو سيد الموقف فلا يخرج عن طوره، ويمتلك اتزان داخلي عجيب في كل الأوقات.
من كرم الامام وسخائه هذا مع الكل عُرفت صرار موسى بن جعفر وأصبحت تضرب بها الامثال، فكانت تلبي عدة حاجات منها قضاء حاجة مسلم، وكسب ود المبغضين لال البيت (عليهم السلام)، وصدقة جارية تؤدى الى مستحقيها.