من "كسر جناح" الطائر الأخضر العراقي؟


خاص/ تنقيب
“الطائر الأخضر”، ممثل العراق في أجواء العالم منذ عام 1945، اذ تعد الخطوط الجوية العراقية من أوائل خطوط النقل الجوية في المنطقة العربية، وعُرفت بسلامتها وأمانها وندرة الحوادث فيها، هذا المورد الاقتصادي المهم للبلد، والممثل لسمعته، تعرض إلى “كسر جناحه” من قبل مدراء مهمتهم السرقة فقط.
فعل الفساد بالخطوط الجوية العراقية ما لم تفعله كل الأحداث السياسية التي عصفت بالعراق والحروب التي مرت بتاريخه الحديث، فبعد العام 2003 وخروج العراق من البند السابع، حيث كان تحت طائلة الحصار الدولي، عاد العراق للأجواء الدولية، لكن رافقت العودة الكثير من السلبيات والحظر، وباتت سمعة الخطوط الجوية سيئة جدا، وذلك بسبب الإدارة الفاسدة التي تولت شؤونها، حيث لم تقدم ما يليق باسم الخطوط ولم تقم بتطويرها وتأمين متطلبات عودتها لكافة البلدان، بل انشغلت بسرقة إيراداتها وتزوير الأوراق الكمركية.
سامر كبة، آخر الفاسدين الذي تسلم رعاية الطائر الأخضر، والذي أدى به إلى التهلكة وعرضه لشتى أنواع التعذيب.
قضية كبة ووقوعه في الفخ ساهمت فقط بإبعاد فاسد عن إدارة هذه المؤسسة العريقة، لكنها لم تساهم بإعادتها لطبيعتها، فآثار الفساد التي تركها كبيرة جدا، وبحاجة لعمل كبير.
النائب ناظم الساعدي، كشف في بداية الأمر أن الفساد في الخطوط الجوية العراقية تفشى  في جميع مفاصلها من خلال التعيينات وبيعها واعمال التجزئة وتجهيز طائرات الخطوط الجوية العراقية في المحطات الخارجية بالوقود بفرق حوالي مليون دولار شهريا، تذهب لجيوب الفاسدين، وهذا ما اثبتته التحقيقات في مكتب المفتش العام التي تمت المصادقة عليها من قبل الوزير، مبينا ان التوصيات تضمنت التعاقد مع الشركات العالمية بشكل مباشر.
وبين: “اننا استغربنا من طلب الوزير التريث بالتعاقد وفي حينها اصدرت الخطوط الجوية عبر الوزارة بيانا نفت فيه وجود هدر بالمال العام، رغم وجود وثائق رسمية، وتم القاء القبض حينها على شخص متلبس بالرشوة وهو يرشى موظفا من الخطوط الجوية للعقود، وتم اطلاق سراحه مع الاسف بكفالة مالية”.
وتابع “اننا وبحسب المعلومات التي وصلتنا أن الوزارة تريد التعاقد مع شركة وسيطة دون الرجوع الى قسم الوقود في الخطوط الجوية العراقية”، متسائلا: “ما هي المصلحة من التأخير لاكثر من عشرة اشهر ومن يتحمل ملايين الدولارات التي اهدرت، ولماذا التعاقد مع شركة واحدة دون استلام عروض من عدة شركات”.
هذه المعلومات التي أوردها الساعدي هي جزء من خراب كبير أحدثه سامر كبة، جزء من سيرة فساد لها بداية وليست لها نهاية، فأغلب الملفات التي كشفت لا تمثل غير ما يمكن كشفه فقط، فقد “أفسد” كبة في ملف الوقود وتجهيز الطائرات العراقية في الخارج، حيث تقدر الخسائر بأكثر من 12 مليون دولار سنوياً، فضلاً عن إبرام عقود شراء طائرات قديمه ومنتهية الصلاحية.
كما أن هيئة النزاهة تحقق في أوامر التعيينات الفضائية في الخطوط الجوية العراقية، بالإضافة الى ملف صيانة الطائرات الوهمي، كما انها تحقق في بيع خطوط ناجحة تابعة للخطوط الجوية العراقية الى شركات أجنبية بأسعار زهيدة، فضلاً عن عقود شراء قطع غيار الطائرات بأسعار خيالية.
إضافة إلى التحقيق في فقدان اموال بملايين الدولارات من الوزارة، كما ان هناك فساداً في نقل البضائع حيث يتم تسجيل ٢٥ بالمائة فقط من القيمة الكلية للشحن الجوي و٧٥ تذهب بجيوب سامر وحاشيته.
كما ان هناك ملفات، من بينها تعيين حماية طائرات بدون اي شهادة تذكر، وأغلبهم من الأقارب والأصدقاء، ودفع الكومشنات، كما يتم التحقيق في تعيين طيارين جدد بعد دفع مبالغ ضخمة لكل من سامر كبة والمسؤولين الآخرين.
كما تمت سرقة مقاعد طائرات الخطوط الجوية العراقية، وملف تدريب الطيارين الذين لا يحملون شهادات طيران، فضلاً عن التغاضي عن المزورين، بالإضافة الى بيع مكاتب الخطوط الجوية في الخارج بسعر بخس جدا الى الأقارب والأصدقاء وغيرهم.
وسرق أيضا كبة أجور الطائرات الهابطة في مطارات العراق، ومبالغ الإعاشة للخطوط الجوية العراقية، وأيضاً سرقة آليات وسيارات الخطوط.
كبة، ماذا أبقيت من الطائر الأخضر؟، حتى عظامه التهمتها وحتى ريشه حولته لوسادة فاخرة تتباهى بها أمام “زملاء الفساد”، لكن وقوعك في الفخ، الذي دخلته بقدميك، هي النهاية السعيدة للجميع.
هيئة النزاهة، تمكنت من اصطياد كبة بواسطة طعم، هو ملفات فساده ذاتها، ما فعله بيده أوقعه، فقصة اعتقاله تمثلت بإرسال هيئة النزاهة لأحد موظفيها ومعه ملفات فساد عن كبة، وطلب الموظف من كبة 20  ألف دولار مقابل غلقه للملفات، فوافق الأخير، وفي يوم التسليم تم القبض عليه متلبسا.
فرغم ذكاء الفاسدين في إدارة الصفقات وإبعاد أنفسهم عنها بصورة مباشرة، إلا أنه وقع ضحية طمعه، ولم يستطع أن يوكل هذه المهمة لأحد “سماسرته”،  فهذه الـ20 ألف دولار كانت المصيدة لفاسد لم يتعامل بمئات الآلاف بل بملايين الدولارات.