نيويورك تايمز: انتهى وهم العلاقة المتوازنة مع أمريكا.. وفرنسا ستبحث عن أوروبا ذات سيادة على قرارها

ابراهيم درويش

”: تحت عنوان “لا عجب أن الفرنسيين غاضبون”، نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” مقال رأي لسيلفي كوفمان، مديرة التحرير في صحيفة “لوموند” قالت فيه “لا تكن مخطئا، هذه أزمة وليست خلافا” فالشراكة الجديدة التي أعلن عنها الأسبوع الماضي بين الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا تحصل من خلالها كانبيرا على غواصات تعمل بالطاقة النووية، أحدثت صدمة لدى الفرنسيين وأغضبتهم. ليس بسبب خسارتهم الصفقة مع أستراليا التي وقعوها عام 2016، بل لأن الفرنسيين تركوا في الظلام بشأن التحالف الجديد بل وخدعهم حلفاؤهم القريبون الذين تفاوضوا من وراء ظهورهم. وحس الخيانة حاد جدا لدرجة قرر الرئيس إيمانويل ماكرون وعلى غير العادة التزام الصمت وفوض أمر التعبير عن الغضب العام لوزير خارجيته الهادئ جان إيف لو دريان. وعندما سئل في مقابلة على التلفاز إن كان تصرف الرئيس بايدن يذكر بسلفه كان جوابه “بدون تغريدات”.

وتقول الكاتبة إن الخلاف لا ينحصر فقط في صفقة تجارية ولكن بالجرح الذي أصاب الكرامة واعتداد الشعب الغالي بنفسه. فالقنبلة الدبلوماسية الوقحة كشفت عن القواعد غير المكتوبة للتنافس بين القوى العظمى التي لا يمكن لفرنسا أن تلعبها طالما لم يكن وراءها ثقل الاتحاد الأوروبي.

وكان الأسبوع الماضي عن الجيوسياسة في القرن الحادي والعشرين وترتيب التحالفات القديمة لكي تناسب الوقائع الجديدة. وتعتبر فرنسا نفسها “قوة دائمة” في منطقة إندو- باسيفيك، التي تعد منطقة تنافس حيوية بين الولايات المتحدة والصين، وذلك لأنها تملك عددا من الجزر وتحتفظ بأربع قواعد بحرية هناك. وطورت استراتيجيتها للمنطقة في عام 2018 وتدفع منذ ذلك الحين الاتحاد الأوروبي لتطوير مشروع مماثل. ومن المفارقة أن استراتيجية الاتحاد الأوروبي لمنطقة إندو- باسيفيك كانت جاهزة في اليوم الذي أعلن عنه التحالف المعروف باسم “اوكاس”، وغطى على الخطة الغضب بشأن التحالف. وكانت أستراليا مفتاحا رئيسيا في استراتيجية فرنسا. وبعيدا عن بيعها الغواصات كانت باريس تتطلع لشراكة مع كانبيرا تضيف عمادا جديدا لوجودها في المنطقة. وباتت خطتها الآن في حالة من الفوضى. وفي نظر الفرنسيين فالخطة التي يريدها الأمريكيون لأستراليا كبيرة جدا وتشمل على الأمن السيبراني والاستخبارات بحيث لا يترك أي مجال لمبادرات أخرى. ومن أجل بناء استراتيجيتها في المنطقة باتت باريس تبحث مساعدة من الهند التي تتعاون بشكل وثيق. وما يجري هناك إعادة تشكيل التحالفات في المنطقة والتي صدمتها الولايات المتحدة بدون اعتبار لحلفائها كما بدا من الانسحاب الكارثي من أفغانستان. ويتغير النظام العالمي وتتضاعف التحالفات. ويزيد إحكام المجال الإنكليزي حول مجموعة “العيون الخمس” والتي تشترك في المعلومات الاستخباراتية وتضم بريطانيا واستراليا وكندا ونيوزلندا والولايات المتحدة، وتعيد تشكيل نفسها في منطقة المحيط الهادئ بشكل لا يترك مساحة للقارة الأوروبية وحتى لو كانت لديها نفس المصالح المشتركة. وتبدو حفلة عودة امريكا والتي جمعت بايدن مع الحلفاء الأوروبيين في مقر حلف الناتو في بروكسل وكأنها حدثت منذ وقت طويل، وليس في حزيران/يونيو. وحث بايدن القادة المجتمعين على اعتبار الصين خطرا أمنيا، مع أن فرنسا وألمانيا اعترضتا على الدعوة وأن الصين ليست داخل مجال حلف الناتو. واليوم تم تهميش فرنسا من أجل مواجهة ذلك التحدي. ولا يشك الفرنسيون أن بايدن يريد عن قصد تقسيم أوروبا، والتي كانت حيلة ترامب، ولكنهم يخطئون الإدارة الجديدة لتجاهلها ما قد تحدثه سياساتها غير الحكيمة. وقال دبلوماسي فرنسي إن القيادة الأمريكية هي أمر مختلف عن الشراكة، ففي مجموعة العيون الخمسة هناك قائد واحد ويتبعه شركاء صغار. ويثير هذا سؤالا صعبا على أوروبا، فقد أخبرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسلا فوندر لين شبكة “سي أن أن” إن الطريقة التي عوملت بها فرنسا “ليست مقبولة”، إلا أن تردد القادة الأوروبيين في الرد على الأزمة يعكس عدم تيقنهم من طريقة التصرف مع الولايات المتحدة والصين. وفي الوقت الذي تزداد فيه حرارة التوتر بين القوتين فلن تتمكن الدول الأوروبية من الحفاظ على مواقفها المتناقضة ولوقت طويل.

ويجب على الولايات المتحدة تقديم أجوبة على عدد من الأسئلة، هل التشارك مع بريطانيا في مرحلة ما بعد البريكسيت وذات العلاقة الحساسة مع الأوروبيين وإهانة فرنسا يسهم في استقرار الإتحاد الأوروبي ووحدة الغرب؟ وهل واشنطن التي تتوقع من حلفائها الأوروبيين حماية مجالهم مستعدة لتقبل فكرة السيادة الأوروبية بما في ذلك ميزانيات الدفاع؟ وما هو المستقبل الذي تريده للناتو؟.

وتقول الكاتبة إن فرنسا التي ستشعر بالشكوك المتزايدة لدى الشركاء الأوروبيين لأمريكا ستدفع باتجاه أوروبا أكثر استقلالية وسيادة وبقدرات للتحرك بنفسها عسكريا ودبلوماسيا. وفي النهاية فوهم إقامة الفرنسيين علاقة شراكة ومتوازنة مع إدارة بايدن، تحالفا كانت أم في صف واحد قد تلاشى. ولدى المجال الإنكليزي تعبير متلون، وهو أن يضرب الواحد فوق قدرته. وبصراحة لا يمكن ترجمة هذا التعبير للفرنسية